قرابين_الصحراء: الجزء الأول”شِبلُ بَني زَيْن .. الوَداعُ الأَخِير (٠١)”

FB_IMG_1501930241898

#قَرابيِنُ_الصّحْراء

 

لم أطلق العنان لمخيلتي كي تجول في خيمهم الحزين و فقط.. لم أكلفها عناء البحث في رمال الصحراء عن آثار أقدام الصبية البؤساء الذين أفاقوا على يتم قُدِّر أن يولدوا به .. لقد حاولت قدر المستطاع استشعار حتى الأحاسيس التي تخالجهم و  حمّلتها أمانة أن تصور ملامح وجوههم في أكثر أوقاتهم صعوبة على الإطلاق و معالم المعاني الجميلة التي تستوطن القلوب القنوعة  لأسر بعثت أشبالها  تتْرا إلى ميادين القتال و استنفدت فلذات أكبادها من أجل ما يساوى قيمة كل القرابين التي أُخذت، و التي أخَذت  وضع الإنتظار و لم تنته بعد.

عاصفة رملية خفيفة تزحف على مخيم حزين مليء بقصص البؤبس و روايات لا متناهية من صبر و إيثار لا حدود لهما .. طفل نحيف يركض حافي القدمين مثل شادن الغزال الشارد يتوقف تحت حبال خيمة يرسل راحة يديه إلى أحدها و بعد محاولة من القفز يعصم بمنتصف الحبل ثم يبدأ التأرجح .. سرعان ما تنهره عجوز طاعنة في السن فينقلب على وجهه مدلفا إلى حيث يصنع فرحا من بين كل الأحزان التي تحاصر حيّه، الحي الذي استقبل الأسبوع الماضي فاجعة فقدان احد اسره أغلى غواليها.

 

السابعة مساءا ما تزال العاصفة الخريفية الخفيفة التي تصحب معها ذرات الرمل تسلك طريقها بين أزقة المخيم عندما رتب على كتف أنهكته السنين؛ سأحاول أن لا أطيل الغياب .. و بنفس مخنوقة ترد غْلانة: سير يا وليدي الله يلكيهالكم زينة .. تتوقف برهة و هي تتفحص تقاسيم وجهة الجامدة الذي لا يحمل من التفاصيل المتفردة إلا ندوبا طفيفة تركها البارود معلما وجيدا في وجهه الكستنائي.

 

يحاول أن يجعلها تهدأ فيقطع سكون الوداع: والدتي سنعود حتما لم تنظرين إليّ و كأنني مسافر إلى غير رجعة؟ .. و دون أن تخفض عينيها الواسعتين ذواتي البني الغامق يترجل الدمع من مقلتيها و يقطع طريقة مختلجا أخاديد خدها الأسمر .. لم يعد أمام بَلّة إلا الإنصراف .. لم يعد يحتمل المشهد .. يخشى أن يؤثر الوداع في قرار رحيلة إلى ميادين الحرب ما سيجعل قسمة الغليظ بالبقاء في رحاب الثورة عرضة للحنث.

 

ليلى تقف منتظرة بالخارج تقوم و تقعد على على عتبة بيت من الطوب تكسوه خرقة بدأت تغير أشعة الشمس لونها من الأخضر الصنوبري إلى الأصفر الباهت .. تنتظر بحرقة متى يأتي دورها.

 

ينصرف بلّة دون كلام إنصارف أسد أدرك فداحة الإنتظار في عرين فقد قبل أيام ثلاثة من أبنائه، لكن ليلى التي ما زالت في حداد على شقيقة الأكبر تعترضه: بلة عليك أن تسمعني قبل أن تذهب .. أعرف أن رغبتك في الإنتقام بالغة منتهاها لكني املك خبرا قد يهدأ من روعك .. أخو الشهيد ترك في بطني ما يذكّرنا به!

 

تتفتح أسارير تتحول ألوان الغضب التي يلبسها وجهه المتجهم إلى ظلال إبتسامة تحاول أن لا تبدي أكثر من ثلث فرح .. إبتسامة زاهدة في إظهار نفسها على أنها كاملة الأركان فصور عمار و البندير يلاعبان بعضهما في عرين أهله و خبر فقدانهما في المعركة يرفض إقامة أي احتفال حتى كان مجرد رسم على محيا وجه.

 

كأن الخبر الذي ألقته ليلى في نفسه غير ذي مفعول كبير .. سرعان ما عاد الغضب ليأخذ مكانه من البسمة اليائسة تلك و يحتل خارطة وجهه كاملة .. فأن يترك أحمد بابا طفلا في بطن ليلى يبدو لبلّة على استحسانه دان على جبر شروخ قلبه المترتبة على إغتيال أشقائه الثلاثة في معركة واحد .. ينظر إليها كمن يحاول قول شيء لكن خروج الوالدة غلانة و قد تبدل بياض عينيها إلى أحمر دميّ .. فيشهق نفسا عميقا ثم يصدره تأفيفة طويلة لم يتنهي إلى و هو يثب نحو شاحنة المان جريس العسكرية المغطاة بالزوتوني و الأسود.

 

أصبع غلانة يدور في الهواء و هي تتمتم بكلام يصعب سماعها مع زنجرة محرك الشاحنة و ليلى تعتصم بذراعها الأيسر: يا مولانا رانك مع معاهم، يا مولانا رانك معاهم ثم يبدأ الصوت في التلاشي مع انطلاق الشاحنة و انتشار الغبار على حشود المودعين   الذي حجب عبابه المشهد .. لم يعد يُرى أو يسمع سوى أعلام خِرق تعلو الغبار و بعض الشعارات المتقطعة.

 

من الآن فصاعدا لن يغمض لغلانة جفن .. سيتعين على العجوز الثمانينية أن تنتظر عودة بلّة بملامح غير التي علت وجهه حين الوداع أو خبرا عن أن عودته لن تحدث.

 

…يُتبع…

مصطفى محمد سيد البشير.

أترك تعليقا